أبو حامد الغزالي

96

تهافت الفلاسفة

دليل ثان لهم في المسألة زعموا أن القائل : بأن العالم متأخر عن اللّه ، واللّه متقدم عليه ، ليس يخلو إما أن يريد به أنه متقدم بالذات لا بالزمان ، كتقدم الواحد على الاثنين ، فإنه بالطبع ، مع أنه يجوز أن يكون معه في الوجود الزماني ، وكتقدم العلة على المعلول ، مثل تقدم حركة الشخص ، على حركة الظل التابع له ، وكحركة اليد مع حركة الخاتم ، وحركة اليد في الماء مع حركة الماء ، فإنها متساوية في الزمان ، وبعضها علة وبعضها معلول ، إذ يقال : تحرك الظل لحركة الشخص ، وتحرك الماء لحركة اليد في الماء ، ولا يقال تحرك الشخص لحركة الضل ، وتحركت‌اليد لحركة الماء ، وإن كانت متساوية . فإن أريد بتقدم الباري على العالم هذا ، لزم أن يكونا حادثين أو قديمين ، واستحال أن يكون أحدهما قديما والآخر حادثا ؛ وإن أريد به أن الباري متقدم على العالم والزمان لا بالذات بل بالزمان ؛ فإذن قبل وجود العالم والزمان زمان كان العالم فيه معدوما إذ كان العدم سابقا على الوجود ، وكان اللّه سابقا بمدة مديدة لها طرف من جهة الآخر ، ولا طرف لها من جهة الأول ؛ فإذن قبل الزمان زمان لا نهاية له وهو متناقض ، ولأجله يستحيل القول بحدوث الزمان ، وإذا وجب قدم الزمان ، وهو عبارة عن قدر الحركة ، وجب قدم الحركة ، ووجب قدم المتحرك الذي يدوم الزمان بدوام حركته . الاعتراض هو أن يقال : الزمان حادث ومخلوق ، وليس قبله زمان أصلا ، ومعنى قولنا : أن اللّه متقدم على العالم والزمان ، أنه سبحانه كان ولا عالم ، ثم كان ومعه عالم ، ومفهوم قولنا : كان ولا عالم ، وجود ذات الباري وعدم ذات العالم فقط ؛ ومفهوم قولنا : كان ومعه عالم ، وجود الذاتين فقط ، فنعنى بالتقدم